بسم الله الرحمن الرحيم 

جولة الانتخابات البلدية اللبنانية

كشفت نبذ الرأي العام للطبقة السياسية

مع صدور نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية في منطقة الشمال ينتهى موسم الانتخابات الذي استغرق ما يقرب من شهر كامل. ولقد كان لهذا الموسم وما تخلَّله من تحالفات ونتائج وتداعيات دلالاته السياسية، التي يجدر التوقف معكم عندها.

إنّ أبرز ما شهده هذا الموسم هو تحوّل القوى الكبرى في البلد عن سياسة المكاسرة في الانتخابات إلى سياسة التوافق الانتخابي في المدن الكبرى: بيروت وطرابلس وصيدا، وهي المدن ذات الغالبية المسلمة. فبعد أن أدخلت الطبقة السياسية أهل لبنان في دوّامات من العنف والتعبئة الطائفية منذ ما يزيد على العشر سنوات، ولا سيّما في المواسم الانتخابية، قرّرت قوى هذه الطبقة أن تتجاهل خلافاتها لا بل تحاول أن تستر عورة تاريخها الدامي بورقة الانتخابات البلدية، لتتوافق معًا على لوائحِ مرشّحين للمجالس البلدية في هذه المدن، يفرضونها على الناس متجاوزين إرادتهم وحقَّهم في اختيار من يريدون لبلدياتهم. فإذا بهذه اللوائح تحوي أسماء متنافرة ما كان لأحد أن يتصوّر من قبلُ اجتماعها معًا في تحالف واحد!

وتفسير ذلك بكلّ وضوح أنّ القوى المكوِّنة لهذه الطبقة أدركت في السنوات الأخيرة أنّها خسرت ما تبقّى من رصيدها لدى الرأي العامّ، وأنّ الانتخابات قد تُبرز إلى الساحة وجوهًا جديدةً تُنافسها على زعامة الشارع، فقرّرت أن تتواطأ معًا لمصلحة تجمعها، ألا وهي: احتكار تزعّم الشارع والتشبّث باعتلاء أكتاف الناس.

وقد أدرك الناس بعض هذه الحقيقة، فعبّروا عن اشمئزازهم منها، من خلال إعراضهم عن المشاركة في الانتخابات، فجاءت نسبة الاقتراع متدنّية جدًّا في المدن الكبرى، ولا سيّما في العاصمة بيروت. وكان لافتًا أنّ الطبقة السياسية المتواطئة في هذا الموسم لم تكن مهتمّة برفع نسبة المقترعين، بل على العكس من ذلك صرّح بعض المتحدّثين باسمهم أنّهم يراهنون على تدنّي نسبة المقترعين حتّى لا تفلت اللعبة من أيديهم. وحصل ما يريدون في بيروت وصيدا وغيرهما. ولكنّ هذا الفوز "القانوني" أخفى وراءه هزيمة سياسية كبيرة. فنسبة الاقتراع المنخفضة مع احتساب الأصوات التي نالها المرشَّحون من خارج لوائحهم أسفرت عن نتيجة مفادها أنّ الطبقة السياسية استولت على المجالس البلدية بأصوات لم تتجاوز العشرة بالمائة من الناخبين، فضلًا عن أن المرشَّحين المنافسين للائحتهم نالوا على الرغم من تدنّي نسبة الاقتراع عددًا معتبرًا من أصوات المقترعين قاربت الأربعين في المائة في بيروت وصيدا. وهذا الواقع ينسحب إلى حدّ بعيد حتى على مناطق خاضعة لهيمنات تاريخية تقليدية معروفة.

إلّا أنّ المفاجأة الكبرى كانت في طرابلس التي صفعت الطبقة السياسية صفعة مؤلمة ومدوّية، بإسقاط لائحتها المرشَّحة للمجلس البلدي، على الرغم من تدنّي نسبة الاقتراع، إذ بالكاد تجاوزت ربع الناخبين، وعلى الرغم من اجتماع غالبية القوى السياسية التقليدية فيها، وعلى الرغم من المال السياسي الذي بُذِل لشراء أصوات الناس بثمن بخس دراهم معدودة، وكان أبرز شكل من أشكال الرشوة تلك المقنّعة المتمثّلة بجيش من آلاف المندوبين من الشبّان والشابّات. هذا عدا الشراكة بين الطبقة السياسية وعدد من كبار الرأسماليين الذين يطمعون بالتسلّل إلى البلديات من طريق الانتخابات لتعزيز مصالحهم المادّية. ورغم أن اقتراع الطرابلسيين كان عقابًا للطبقة السياسية وإعلاناً لبداية التبرؤ منها أو من بعضها، بعدما لمسوا لمس اليد دجلها ومتاجرتها بهم وإهانتها لكراماتهم، إلا أن سيطرة بعض القيادات التقليدية - وليدة ذات الطبقة السياسية الهرمة - ما زال له وجود بسبب غياب من يمثل مصلحة الناس الحقيقية بعيداً عن تأثير السياسيين التقليديين وأسيادهم الإقليميين والدوليين.

الخلاصة أنّ هذه الانتخابات كشفت بوضوح ودون أدنى شكّ، وبخاصّة في المناطق المسلمة، كفر غالبية الناس بالطبقة السياسية الهرمة العجوز، سواء عبّروا عن ذلك بالعزوف عن الاقتراع، أو عبّروا بالاقتراع لمرشَّحين جدد من غير أتباع هذه الطبقة أو ممن تكلموا بالعداوة لهذه الطبقة ولو ظاهرياً، هذه واحدة، أما الأخرى فهي أن مطلب الناس الحقيقي صار رغبتهم في العلاج الجذري الذي يُعبر عنهم والذي بات واضحاً أن كثيراً من أهل لبنان بات يدركه إما واقعياً أو تأثراً بما يجري حولهم وتكشُّفِ حقيقة الصراع.

يا أهل لبنان:

ها أنتم لمستم لمس اليد أنّ ما يسمّى بالحياة السياسية في لبنان ليست سوى خدعة، وأن "لعبة" الانتخابات ليست في نظر الإقطاع السياسي سوى وسيلة إضافية لاعتلاء ظهوركم والمتاجرة بمصائركم وأرزاقكم وأمنكم. فها هم حين يقرّرون المكاسرة في الانتخابات وغيرها يتهوّرون بحقن النفوس وحشد الأتباع عبر الخطاب الطائفي والتحريض المذهبي، وبالمقابل حين يقرّرون تقاسم الكراسيّ وغيرها فيما بينهم بالتراضي ليقطعوا الطريق على من يمكن أن يخترق محميّتهم السياسية يرفعون شعارات الوئام والتوافق وتجنيب البلد تداعيات المعارك الانتخابية! وفي كلا الحالين ينظرون إلى عامّة الناس على أنّهم قطعان بإمكانهم أن يسوقوهم حيث يشاؤون.

وإنّنا إذ نحيّي إرادة الناس الذين ظهر منهم بعض المبادرة في نفض أيديهم من هذه الطبقة السياسية العفنة، ولا سيّما في طرابلس التي صفعتها على وجهها وقلبت على بعضهم الطاولة، لكننا ننبِّه إلى ضرورة بل وجوب نبذ البقية الباقية منهم، وننبِّه إلى أنّ التغيير الحقيقي لا يكون بالاستحواذ على المجالس البلدية، فالبلديات ليست سوى جزء من نظام سياسي فاسد، تتحكّم به قوى ربطت إرادتها بالقوى الإقليمية والدولية، لا ترقب فينا إلًّا ولا ذمّة، ولا تكترث بحال من الأحوال إلى مصالحنا ولا أمننا ولا كرامتنا. لا بل إن هذه الطبقة السياسية الهرمة العجوز بكل أشكالها ودونما تمييز لم تكن لتبادر لهذه الانتخابات دون موافقة أسيادها الدوليين لجس نبض الشارع وتوجهه، ولا سيما أن العين على لبنان كونه جزءاً لا يتجزأ مما يحصل في المنطقة عموماً وبلاد الشام خصوصاً.

وتبقى الحقيقة الساطعة في لبنان أنّه كيان فاشل لا يصلح أن يكون دولة، وأنّه لن يصلح حاله إلّا بصلاح حال محيطه، وبعودته جزءًا من هذا المحيط، كما كان تاريخه طوال مئات السنين، جزءًا لا يتجزّأ من دار الإسلام ودولة الخلافة، فإيّاكم والانجراف مع دعوات الانفصال عن الأمّة وقضاياها، ولا سيّما قضيّتها المصيرية المتمثّلة بالتحرّر من أنظمة الطاغوت والطغيان، وإعادة سيادة شرع الله المتمثل في الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، واستعادة سلطان الأمّة المغصوب في أرض الإسلام الشاسعة.

قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَاءً غَدَقًا﴾.

:27 من شـعبان 1437هـ                                                                                                                                                               حزب التحرير

الجمعة, 03 حزيران/يونيو 2016م                                                                                                                                                      ولاية لبنان

 
 

أنشطة وفعاليات